محمد أبو زهرة
1945
زهرة التفاسير
وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 135 ) [ الأعراف ] ومع هذه البينات اتخذ السابقون من بني إسرائيل العجل معبودا ، ولذا قال تعالى : ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ هذا النص الكريم فيه بيان إمعانهم في الكفر والجحود ، فهم بعد ما جاءتهم البينات أي الحجج المبينة للحق ، المثبتة له الدامغة ، وبعد أن أنقذهم الله سبحانه وتعالى من جبروت فرعون وطغيانه ، واستعباده لهم ، وبعد أن رأوا من الآيات ما رأوا ، اتخذوا شكل العجل الذي صور من ذهب معبودا لهم ، وإطلاق العجل على هذا التمثال الجامد لهم ، من قبيل إطلاق اسم الشئ على شبهه في الصورة والهيكل ، فهو ليس عجلا حقيقة ، ولكنه صورة ، وإن اتخاذ العجل بقية من بقايا الوثنية التي كانت تستولى على قلوبهم ، ففي مصر كانت عبادة البقر ، وفي مصر كانت عبادة نوع من الأوثان فاستمكنت الوثنية من قلوبهم حتى نسوا عقولهم وتفكيرهم ، وما آتاهم الله تعالى من عزة ، وما قام عليهم من برهان ، ولذلك ذكر الله تعالى عنهم أنهم قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، فقد قال تعالى : وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ( 138 ) [ الأعراف ] . ولقد نبهوا إلى ضلالهم في عبادة هيكل العجل ، فتنبهوا ، وتابوا ، وأقلعوا عن عبادته ، فعفا الله تعالى عنهم ؛ لأن التوبة تجب ما قبلها ، والإيمان بعد الكفر يذهب بآثار الكفر . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ( 38 ) [ الأنفال ] ولقد كان ذلك التمرد المتوالى مع ما آتى الله نبيه موسى من حجج باهرة قاهرة ، ولذا قال سبحانه :